ابن كثير

14

البداية والنهاية

حمص إلى دار العباس بن الوليد التي عندهم فهدموها ، وحبسوا أهله وبنيه ، وهرب هو من حمص فلحق بيزيد بن الوليد إلى دمشق ، وأظهر أهل حمص الاخذ بدم الوليد بن يزيد ، وأغلقوا أبواب البلد ، وأقاموا النوائح والبواكي على الوليد ، وكاتبوا الأجناد في طلب الاخذ بالثأر ، فأجابهم إلى ذلك طائفة كبيرة منهم ، على أن يكون الحكم بن الوليد بن يزيد الذي أخذ له العهد هو الخليفة ، وخلعوا نائبهم ، وهو مروان بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان ، ثم قتلوه وقتلوا ابنه وأمروا عليهم معاوية بن يزيد بن حصين ، فلما انتهى خبرهم إلى يزيد بن الوليد كتب إليهم كتابا مع يعقوب بن هانئ ، ومضمون الكتاب أنه يدعو إلى أن يكون الامر شورى ، فقال عمرو بن قيس : فإذا كان الامر كذلك فقد رضينا بولي عهدنا الحكم بن الوليد ، فأخذ يعقوب بلحيته وقال : ويحك ! لو كان هذا الذي تدعو إليه يتيما تحت حجرك لم يحل لك أن تدفع إليه ماله ، فكيف أمر الأمة ، فوثب أهل حمص على رسل يزيد بن الوليد فطردوهم عنهم وأخرجوهم من بين أظهرهم . وقال لهم أبو محمد السفياني : لو قدمت دمشق لم يختلف علي منهم اثنان ، فركبوا معه وساروا نحو دمشق وقد أمروا عليهم السفياني ، فتلقاهم سليمان بن هشام في جيش كثيف قد جهزهم معه يزيد ، وجهز أيضا عبد العزيز بن الوليد ( 1 ) في ثلاثة آلاف يكونون عند ثنية العقاب ، وجهز هشام بن مصاد المزي في ألف وخمسمائة ليكونوا على عقبة السلمية ( 2 ) ، فخرج أهل حمص فساروا وتركوا جيش سليمان بن هشام ذات اليسار وتعدوه ، فلما سمع بهم سليمان ساق في طلبهم فلحقهم عند السليمانية فجعلوا الزيتون عن أيمانهم والجبل عن شمائلهم والجباب ( 3 ) من خلفهم ، ولم يبق تخلص إليهم إلا من جهة واحدة ، فاقتتلوا هنالك في قبالة الحر قتالا شديدا ، فقتل طائفة كثيرة من الفريقين ، فبينما هم كذلك إذ جاء عبد العزيز بن الوليد بمن معه فحمل على أهل حمص فاخترق جيشهم حتى ركب التل الذي في وسطهم ، وكانت الهزيمة ، فهرب أهل حمص وتفرقوا ، فأتبعهم الناس يقتلون ويأسرون ، ثم تنادوا بالكف عنهم على أن يبايعوا ليزيد بن الوليد ، وأسروا منهم جماعة ، منهم أبو محمد السفياني ويزيد بن خالد [ بن يزيد ] ( 4 ) بن معاوية ، ثم ارتحل سليمان وعبد العزيز فنزلا عذراء ومعهم الجيوش وأشراف الناس ، وأشراف أهل حمص من الأسارى ومن استجاب من غير أسر ، بعدما قتل منهم ثلاثمائة نفس ، فدخلوا بهم على يزيد بن الوليد ، فأقبل عليهم وأحسن إليهم وصفح عنهم ، وأطلق الأعطيات لهم ، لا سيما لأشرافهم ، وولى عليهم الذي اختاروه وهو معاوية بن يزيد بن الحصين ، وطابت عليه أنفسهم ، وأقاموا عنده في دمشق سامعين مطيعين له .

--> ( 1 ) في الطبري 9 / 24 وابن الأثير 5 / 293 : ابن الحجاج . ( 2 ) في الطبري : حقبة السلامية ( انظر ابن الأثير ) . ( 3 ) من الطبري ، وفي الأصل : والحيات وهو تحريف . ( 4 ) من الطبري 9 / 25 وابن الأثير 5 / 294 ، وقد سقطت من الأصول .